كلمة رئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة السيد إلياس العماري في افتتاح الدورة الخامسة للمنتدى الدولي للمدن العتيقة، قبل قليل بمدينة العرائش.

حضرات السيدات والسادة،
ضيوف مدينة العرائش،

أتشرف بالحضور في أشغال الافتتاح الرسمي للدورة الخامسة للمنتدى الدولي للمدن العتيقة، الذي ينظم هذه السنة بمدينة العرائش، تحت الرعاية الملكية السامية. وإذ أشكر القائمين على الشبكة المتوسطية للمدن العتيقة وتنمية التراث على اختيارهم لهذه المدينة الأطلسية لاحتضان فعاليات هذا المنتدى، أود أن أنوه باختياركم لموضوع هذه الدورة : “التراث المستدام؛ التمويل والحكامة”، حيث توجهتم مباشرة إلى جوهر القضية.

حضرات السيدات والسادة،
مما لا شك فيه، إن التراث بمختلف تجلياته، المادي واللامادي، لا يحفظ فقط ذاكرة الشعوب والحضارات ليجعل حاضرها ومستقبلها امتدادا لإنجازات وتراكمات الماضي، وإنما هو أيضا رأسمال مادي ورمزي تتوارثه الأجيال، وإذا أحسنت الحفاظ عليه وتوظيفه في الإتجاه الصحيح، فإنه يصبح مصدر ثروة مادية تعود منافعها على المواطنين.
عندما نزور بعض البلدان السباقة إلى الاستثمار في التراث المادي واللامادي، نتأكد بالمعاينة كيف تكون المآثر التاريخية والأحياء العتيقة والمتاحف والموسيقى العريقة وغيرها، مصدر إنتاج للثروة وإنعاش لفرص الشغل ومساهمة في رفع نسب النمو. و في هذا الإطار، ينبغي الاستفادة من هذه التجارب الرائدة للنهوض بمآثرنا التاريخية العريقة، وتعبئة الموارد المادية، ليس فقط لعقد الاجتماعات وتنظيم المناظرات والقيام بأبحاث علمية، وإنما لترميم الآثار وتهيئة المدن العتيقة وتدوين وتثمين تراثنا الشفوي؛ وأيضا لفتح المزيد من المعاهد الفنية والمتاحف التراثية والمسارح في جميع الأقاليم.

حضرات السيدات و السادة،
إن مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة الذي أتشرف برئاسته، والذي يعتبر الشريك الرئيسي لهذا المنتدى، بموجب اتفاقية الشراكة المصادق عليها في الدورة العادية الأخيرة للمجلس، يشعر بمسؤولية كبيرة إزاء ما ينتظره من أوراش مهيكِلة في مجال تثمين التراث بمختلف أجناسه داخل تراب الجهة. وفي هذا الإطار نظم المجلس قبل سنة بمدينة شفشاون مناظرة جهوية حول الثقافة، شارك فيها فاعلون مؤسساتيون وخبراء ومختصون. وكان الهدف منها فتح النقاش حول سبل ووسائل صيانة التراث الثمين الذي تزخر به جهتنا، وكذا تثمينه وترويجه بطريقة أفضل، حتى يساهم في مسار التنمية الجهوية المنشودة. وقد توجت هذه المناظرة بتقديم توصيات هامة، حرصنا تضمين أهمها في برنامج التنمية الجهوية الذي تمت المصادقة عليه من طرف جميع أعضاء المجلس بداية هذا الأسبوع.

وهنا أعود إلى شعار هذه الدورة، لأؤكد على أن تعبئة الموارد المالية للنهوض بالتراث ليست فقط هي المطلوبة للنجاح في تحقيق الأهداف المرجوة، وتحويل تراثنا المادي واللامادي إلى منارة لجذب الزوار والسياح من مختلف أنحاء العالم، وإلى رافعة للمساهمة في التنمية وفي إنتاج قيمة مضافة؛ وإنما النجاح في هذا المجال لن يكونَ مضمونا ما لم يكن مسنودا بالحكامة وحسن التدبير. والنجاح يتطلب، أيضا، تجنيد الكفاءات والخبرات الوطنية المتخصصة في المجال، واستثمار الأبحاث العلمية والأكاديمية التي تم إنجازها من طرف جامعاتنا.

في الأخير، أود أن أشير إلى مسألة مهمة أعود بها إلى ما قلته في مقدمة هذه الكلمة، وهي أن التراث يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، لأقول بأن مسؤوليتنا جميعا لا تكمن فقط في الترميم والحفظ والتدوين والتسويق، فهذه مهامٌ مطلوبة وضرورية؛ وإنما مسؤوليتنا أيضا، وأنا أعتبرها أهم، هي دمج تراثنا الحضاري والتاريخي المشرق في مؤسساتنا التربوية وفي بيوتنا. فأمام الزحف المهول للتكنولوجيات الذكية، يكاد جيلنا نحن، جيل اللوح الخشبي، يفقد ارتباطه بالتراث، وما بالك بالجيل الصاعد الذي يفتح عينيه في هذا العالم على اللوحات الذكية. ولذلك فنحن مطالبون بإدماج بعد التراث بمختلف تجلياته التاريخية والحضارية المتنورة في مؤسسات التنشئة الأسرية والتربوية والاجتماعية.

أتمنى لأشغالكم النجاح والتوفيق، وأجدد الترحاب بضيوف مدينة العرائش الوديعة، وأشكر جميع المنظمين والساهرين على تنظيم هذا المنتدى.